الثلاثاء، 24 يونيو 2014

نبيلة تكتبها لكم/ نهال عبد المجيد

نبيــــــلة

"" لم تكن حياتها القاسية فى حى الجمالية سوى حافز لتغيير مصيرها ، ولأن كل واحد منا له حظ من اسمه فها هى "نبيلة" تنل حظها من النبل والجدعنة بلغة شعبها، عاشت نبيلة الأخت الكبرى لأخوة ثلاثة أحمد وعبد الله وسمية يتيمة الأب ولم تعش مع والدتها سوى أول عشر سنين من عمرها حيث ماتت الأم بعد صراع عنيف مع المرض ولم يتبقى لنبيلة سوى عمتها "أشجان" والتى كانت تعاملها جيدا لكن لقفرها المدقع وقلة الحيلة لم تتمكن أشجان بأن تكمل تربية نبيلة وأخواتها والذين لم يتعدى أعمارهم العاشرة ، اضطرت نبيلة الطفلة العنيدة ذات الوجه الخمرى والملامح الدقيقة والعينين الحزينتين الى ترك مدرستها بعد أن عايرها أقرانها بفقرها واعانة المدرسة لها من ملابس ومصروفات، وبعد موت أمها ذهبت لتعمل نبيلة ليلا ونهارا، ففى النهار كانت تعمل عند بيوت الجيران خادمة مقابل أجر يكفى لإطعام اخواتها الجوعى وتكفلت بمصاريف مدارسهم لكن لم يكفى ذلك اذ حدث وأن اصاب احدهما أو نفقات ملابسهم مما ادى بها الى العمل فى  الليل حيث كانت تعمل  فى مشغل تريكو  و أوصت عمتها أشجان احد المعارف لديها وكان صاحب المشغل ذاته اسمه "محروس".

عاشت نبيلة حياة صعبة ولكنها أصرت أن تتحمل مشاق وتعب العمل  لكن ما لم تتحمله  فى سن نضجت فيه وأصبحت انثى بكل ما تحمله الكلمة من معانى  فبدأت تعانى  الكثير من المشكلات خاصة أطماع واشتهاء الرجال لها ولأنها من أسرة متدينة بطبعها – رفضت كل عروض الرجال وركزت على العمل بدأب فى المشغل  وبجانب ذلك كانت نبيلة هى الأم لأخوتها فكانت تذاكر لهم دروسهم، ولأنها لم تكمل دراستها شرعت فى قراءة الروايات المختلفة لنجيب محفوظ فى الأدب ويوسف السباعى وغيرهم فكانت دائما تجد نفسها بطلة فى كل رواية تقرأها لكن باختلاف ظروفها القاسية فهى مضطرة لخوض معركة الحياة إما ان تحافظ على أسرتها المتكفلة بهم أو تترك زمام الأمور ليتشرد أفرادها.
ذات ليلة كان أمام نبيلة الكثير من الأعمال   فى ورشة التريكو ومر الوقت عليها وغادر  جميع العاملون وأثناء عملها وجدت صاحب الورشة محروس يحملق فيها بعينين تنمان عن شهوة ورغبة دنيئة اضطربت نبيلة لذلك الوضع وأخذت تنظر فى ساعتها  فوجدتها العاشرة مساءا  فأوقفت الماكينة وهمت لأن تنصرف فاوقفها صوت صاحب الورشة متسائلا اياها عن سبب مغادرتها وعلل ذلك بوجود الكثير من العمال بحوذتها والتى لم تنتهى بعد وما كان عليه الا أنه اقترب منها وهنا احست برائحة الكحول والتى تفوح عبر انفاسه وطلبت منه الابتعاد عنها موضحة انها سوف تكمل باقى الأعمال غدا.
وهنا حدث ما لم تتوقعه حيث كانت تتوقع ان يهجم عليها كأى ذئب جائع لكنه ركع على ركبتيه متوسلا اياها بأن تبقى لساعة ولاتغادر، اندهشت نبيلة لهذا الوضع واستمر هو قائلا "انى احبك فلما لا تحبيننى؟......"- فجرت نبيلة مسرعة باتجاه الباب و الذعر يبدوا واضحا فى ملامحها حتى خرجت من المشغل وهنا قررت بألا تعاود  مرة أخرى لهذا المشغل .
بعد يومين جاءت عمتها لتخبرها بأن صاحب المشغل محروس يريد الزواج منها، قاطعت عمتها بحسم بأنها لا تود ذلك الرجل فهو فى مثل سن أبيها الله يرحمه ثم ان أخلاقه سيئة وأيضا فهو يشرب الخمر ليلا نهارا- قاطعتها اشجان قائلة " يا ابنتى لن تستطيعى أن تكملى حياتك هكذا مسئولة عن أخوتك، فهو رجل مقتدر ومعاه فلوس هيسترك ومش هيخليكى تعوزى أيتها حاجة".
قالت لها نبيلة "بس ده متزوج وعنده اولاد قدى فى السن. فى نبرة عنيفة وبختها عمتها "عقلك فى راسك تعرفى خلاصك الراجل عاوز يدخل البيت من بابه وانت بترفضى".
هنا ارتفع صوت أخوها عبد الله وهو فى الثانوية الصناعية رافضا وقال "هشتغل وهساعد أختى فى البيت وعاوزك تقولى للعجل ده اننا رافضين".
بابتسامة هادئة أخيرا شعرت بأن هناك من يحميها وأخذت اخيه تحضنه وتشكره على شجاعته وقالت له " ستصبح رجل البيت من هنا ورايح".
مرت الأيام وكبر عبد الله وكبرت سمية واشتغلت مع أختها فى مشغل صغير للتريكو  مع الحاجة "هدى" صديقة أمها.
لم  تمضى حياة نبيلة بلا حب حيث وقعت فى غرام ابن الست هدى "محمود" صاحب استديو التصوير وهو أيضا أحبها كثيرا فهم دائما كانوا كثيرى اللعب منذ الصغر لكنه اخفى حبه لها كل تلك السنوات، وصرح فى ذلك اليوم وهداها بسلسة قلب فضى فى يوم الفلانتين، وأخذ يلتقط لها صورا كثيرة فى استديو التصوير الذى يعمل  فيه، ذهب الى السينما وأخذا يتفرجان على أحدث أفلام الرومانسية، لو طال أن يحضر لها  القمر لحد بابها  لذهب بسرعة الصاروخ، وسرعان ما تقدم لخطبتها.
وعاشت فترة لاشك بأنها أكثر رومانسية فى حياتها لكن لم يعكر صفو تلك الأيام سوى ظهور ذلك الكائن اللزج فى حياتها محروس صاحب المشغل القديم وحاول التهجم عليها لكن انقض عليه محمود ولكمه لكمه افقدته الوعى وأخذ نبيلة بعيدا واقنعها بضرور التقدم ببلاغ للبوليس بعدم التعرض لها ثانيا.
السيدة هدى كانت امرأة لطيفة فى الخمسين من عمرها استطاعت أن تعلم ابنها جيدا وأن تجعل منه رجلا شجاعا  وبعد وفاة الحاجة هدى حزنت نبيلة أشد الحزن  فهى امها الثانية والتى ساعدتها على أن تعمل وتقف على رجليها وتعلمها صنعة التريكو وهى ايضا كانت من اكثر الناس التى كانت تحبها والدتها.
وعدت نبيلة الحاجة هدى بأن يستمر المشغل فى العمل وطلبت منها الحاجة هدى بأن تحافظ عليها والا تغلقه ابدا أدارت نبيلة مشغل التريكو وجعلت منه من اكبر المشاغل فى الحى كله ووسعته وجاءت بالكثير من الفتيات اليتامى من احدى الملاجئ لتعليمهن التريكو والعمل مقابل أجر يعيشون عليه.
ساعدها فى ذلك اخوتها ومحمود الذى قام بتصوير المنتجات وعرضها على النت ليحالفه الحظ وتعجب احد الشركات الأجنبية بالمنتج ويتم التعاقد مع المشغل والتصدير للخارج، كافحت كثيرا نبيلة ، حتى تزوجت من محمود وزفوا على مركبة بالنيل وسط الأحبة والمعارف، بينما دخل أحمد الهندسة وتخرجت سمية من كلية التربية وخطبت لشاب زميلها اعجب بها وسافرت السعودية.
ولحقتها نبيلة لعمل العمرة هى وزوجها محمود وأمسك عبد الله ادارة المصنع لحين عودة اخته.
عادت نبيلة برفقة زوجها وفوجئوا بحجز الحكومة على المصنع وعندما ذهبا الى البوليس اكد لهم الظابط بأن التراخيص ليست مستوفاه كما ان هناك خامات فى الملابس غير مطابقه للأوصاف هذا وكم كبير من التهم الموجههة أسرعت نبيلة الى المحامى لتوكيل للقضية وتقديم كافة الأوراق التى تثبت صحة التراخيص.
وفى مساء ذلك اليوم رن الهاتف لتسمع نبيلة صوتا ليس غريب عليها يقولك: "لن أنساكى يا حبيبة قلبى انتى فاكرة ان عمود النور اللى اسمه محمود هينفعك ان هوقف شغلك كله باشارة صغيرة منى ". واغلق سماعة الهاتف
عرفت نبيلة  بعد ذلك صاحب الصوت وهو بالتأكيد محروس والذى نجح كعضو مجلس شعب  وله علاقة بكبار رجال الدولة واستطاع أن يغتنى فى أقل وقت  بالتزامن مع ما حققته نبيلة من أعمال.
بحثت نبيلة عن محروس حت علمت من مصادر مختلفة ان محروس أصبح من الأغنياء نتيجة أعمال مشبوهه وتجارة السلاح، لذلك كونت نبيلة واخوتها فرقة تحرى وشبكة لمراقبة اعمال محروس  القاطن بفيلا بالشيخ زويد وتم تصوير لقاءاته مع تجار الأسلحة وعدد من الارهابيين.
اقترح أحمد أن يدخلا بيته سرا بالليل للحصول على ادلة لإدانته فى أعمال الخراب التى يقوم بها  وتوجهوا من خلال عربة ميكروباص تنقلهم الى الفيلا وبعد أن تاكدوا من خلو الفيلا من الناس دخلو عبر ممر خلفى  يؤدى إلى المطبخ ثم وصلو إلى الصالة ومنها إلى غرفة بدا انها المكتب الخاص به فتحو الخزانة بآلة حادة وعلى طريقة الأفلام توصلوا إلى مجموعة من الأوراق وأرقام فلكية واسماء لأفراد متورطين فى تجارة السلاح والمخدرات ، قام محمود بتصوير المستندات وبعد الانتهاء خرجوا من الفيلا.
نجحت الخطة التى رسمها عبد الله وبالمشاركة مع نبيلة وأداء سينمائى لمحمود ، أرسلو الأوراق والصور فى ظرف مغلق بعنوان فاعل الخير.
ثانى يوم وجدوا فى الجرائد فضيحة رجال اعمال متورطون فى صفقات أسلحة مشبوهة ومن بين هؤلاء محروس.
هلل كل من نبيلة واخوتها بهذه النتيجة التى سوف تريحهم من هذا المحروس .
وبعد عام من انتشار القضية فى الجرائد دخلت نبيلة مكتبها بعد عودة املاكها والمصنع لتجد ظرفا مغلقا على مكتبها أخذت تتفحصه فوجدت فيه قلبا مرسوما  وجملة " أحبك يا محطمة قلبى، ان هطلع من السجن  ومسير الحى يتلاقى مع تمنياتى  بكل الأشواق حبيبك محروس"
أغلقت نبيلة الظرف وأحرقته  ولم تبدى أى اهتمام وأمسكت هاتفها " الو محمود ازيك يا حبيبى .............. بحبك أوى ايه رأيك لو طلعنا فى رحلة طويلة انا وانت وبس"
تمت

  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق